الشنقيطي

178

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

والسعي أخص ، فلا تعارض بين أعم وأخص ، والنية شرط في العمل ، وأولى هذه الأقوال كلها ما جاء في قراءة عمر رضي اللّه عنه الصحيحة : فامضوا . فهي بمنزلة التفسير للسعي . وروي عن الفراء : أن المضي والسعي والذهاب في معنى واحد ، والصحيح أن السعي يتضمن معنى زائدا وهو الجد والحرص على التحصيل ، كما في قوله تعالى : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ [ الحج : 51 ] بأنهم حريصون على ذلك : وهو أكثر استعمالات القرآن . قال الراغب الأصفهاني : السعي المشي السريع ، وهو دون العدو ، ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا ، قال تعالى : وَسَعى فِي خَرابِها [ البقرة : 114 ] . وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ [ البقرة : 205 ] . وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها [ الإسراء : 19 ] . وجمع الأمرين الخير والشر وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى [ النجم : 39 - 40 ] وهو ما تشهد له اللغة ، كما في قول زهير بن أبي سلمى : سعى ساعيا غيظ ابن مرة بعدما * تبزل ما بين العشيرة بالدم وكقول الآخر : إن أجز علقمة بن سعد سعيه * لا أجزه ببلاء يوم واحد تنبيه من هذا كله يظهر أن السعي هو المضي مع مراعاة ما جاء في السنة من الحث على السكينة والوقار . لحديث أبي هريرة رضي اللّه عنه في الصحيحين عن النّبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ، ولا تسرعوا ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا » « 1 » . وهذا أمر عام لكل آت إلى كل صلاة ولو كان الإمام في الصلاة لحديث أبي قتادة عند البخاري قال : « بينما نحن نصلي مع النّبي صلى اللّه عليه وسلم إذا سمع جلبة رجال فلما صلى قال : ما شأنكم ؟ قالوا : استعجلنا إلى الصلاة ، قال : فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة

--> ( 1 ) أخرجه : البخاري في الأذان والجمعة حديث 636 ، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث 151 و 152 و 153 و 154 و 155 .